
ابراهيم مهدي الفاخر
اليوم وبعد تقوقع وانحسار مد المشروع القومي العربي الداعي إلى توحيد الأمة واستعادة دورها الحضاري والريادي على مستوى العالم. بات القوميون العرب منقسمين على أنفسهم ومختلفين في الأولويات والأهداف.
فمنهم من فقد موقعه ومكانته التاريخية في الدفاع والتصدي لأعداء الأمة وخصومها التاريخيين, ونزل إلى مستوى أقل بكثير مما هو مطلوب منه واكتفى بالأدوار الثانوية واتخذ موقفا مرحباً أو متجاهلاً للمشروع الفارسي بحجة دعم القضية الفلسطينية وصد العدو الأكبر الصهيوني والأميركي. وما التذرع بالقضية الفلسطينية إلا تنصل عن أداء الواجب القومي وتعبير عن المواقف المتزلزلة تجاه الأعداء. كما اتخذ البعض الصمت والاختباء حيال الغزو الأميركي للمنطقة خوفاً من أن يتهم في دعم الإرهاب أو الترويج له.
ومنهم, أي من القوميين, أصحاب المواقف الصلبة ضد المشاريع الأجنبية بات اليوم أكثر من أي زمن آخر مهمشاً وغريباً في مجتمعه العربي يتحمل الويلات من أعداء الأمة العربية (الفرس واليهود ومعهم أميركا), غير متمكن من التصدي لهم بسبب عدم جهوزية الشارع العربي للاستماع إلى آرائه وأفكاره والأخذ بها. وأيضا في حال دعا إلى الوقوف أمام المشروعين الأميركي أو الفارسي والتصدي لهما وردعهما سيكون في موضع الشك وستلصق به تهم الخيانة والعمالة من قبل عناصر ومرتزقة كل من النظامين الفارسي والأميركي. وهذا هو السبب في ما وصل إليه الخطاب العربي من مستوى متدن مقابل المشاريع الأخرى فأصبح غير قادر على الدفاع عن أصحابه أمام الضخ الإعلامي والدعاية المعادية.
إن ضعف أو انكماش الخطاب القومي فتح المجال أمام التيارات وحركات الإسلام السياسي وغيرها من التيارات الأخرى لأخذ المبادرة في نشر أفكارها وتوسيع رقعة مشروعها على مستوى الوطن العربي الكبير هي التي لا يعنيها الصراع القومي, لأن إيديولوجيتها لا تسمح بذلك, وهذا ما أثر سلباً على حالة القوميين العرب وزلزل مكانتهم التاريخية وأخرجهم من دائرة الصراع والنضال دفاعا عن هذه الأمة.
وبعد التغييرات التي حدثت على المعادلة السياسية في الوطن العربي لصالح تيارات غير قومية , فتح المجال أمام أعداء العروبة لتسويق مشاريعهم الخاصة الرامية إلى الانتقام من أمتنا العربية المجيدة والقضاء عليها .
و من أهم هذه المشاريع الأجنبية, المشروعان الأميركي المتلبس باسم الديمقراطية والرامي إلى تفتيت المفتت وتقسيم الأقطار العربية, والمشروع الفارسي الصفوي المتلبس باسم الإسلام والرامي إلى إعادة الإمبراطورية الفارسية الغابرة وإقامة حكم طائفي تحت إمرة ولاية الفقيه.
المشروع الأميركي
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أصبحت الولايات المتحدة الأميركية تتدخل علناً في الشؤون الداخلية للدول العربية بذريعة محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية. وطبعاً هذه الديمقراطية يجب أن تكون حسب المعايير الأميركية مثلما هي موجودة الآن في أفغانستان والعراق, أي ديمقراطية القتل والتدمير والتهجير القسري وسلب الثروات الوطنية, ورهن مصادرها للخارج. وخلاصة الأمر إن الديمقراطية الأميركية تعني توقيع الأقطار العربية صك الانتداب لأميركا.
ومن لم يسلم لأميركا ومشروعها الجديد فتهمته معدة سلفاً وجاهزة. فإما أن يكون إرهابياً أو يتهم بالديكتاتورية والاستبداد والاثنين حسب العقلية الأميركية يجب القضاء عليهما وعلى أفكارهما. لذلك ارتكبت عدد من المجازر وانتهكت أبسط مقومات حقوق الإنسان العربي تحت هذه المبررات الخاوية.
ولم يقف المشروع الأميركي عند هذا الحد بل مازال الطريق أمامه مفتوحاً, فهذا المشروع يرمي إلى إلغاء الشخصية العربية وتقسيم الأقطار العربية إلى دويلات وإمارات صغيرة وتقسيم المجتمعات العربية إلى تجمعات صغيرة متناحرة فيما بينها تعيش تحت رحمة الأجنبي لا تستطيع الدفاع عن نفسها أمام التهديدات الخارجية.
المشروع الفارسي
بعد فشل النظام الفارسي بقيادة الخميني من تصدير الثورة أي تصدير الأفكار الفارسية بقوة السلاح إلى الأقطار العربية , ابتكر النظام الفارسي طريقة جديدة أكثر خبثاً وضرراً على الأمة العربية في عمله لنشر أفكاره وتصدير ثورته. واتخذ من اسم الدفاع عن الإسلام وعن المحرومين والدفاع عن القضية الفلسطينية, ومحاربة إسرائيل ذريعة له لاختراق الأمة العربية لدس أفكاره ونشر عملائه. لذلك تمكن النظام الفارسي بطريقة غير محسوسة من خلق أذرع له داخل الوطن العربي وتضليل الرأي العام العربي وكسب تأييده.
فالأذرع التي خلقها وزرعها النظام الفارسي داخل الوطن العربي أصبحت موالية له أكثر مما هي موالية لأوطانها واليوم تتباهى بانتمائها وتبعيتها لولي الفقيه والنظام الفارسي ومستعدة لتنفيذ أوامره لتقويض استقرار الدول العربية من الداخل وتدميرها.
وأما القواعد الشعبية العربية التي ضللها النظام الفارسي, جعل منها جماعات ضغط تؤدي الدور المؤيد والمناصر للنظام الفارسي, والمعارض للمواقف العربية الرسمية وغير الرسمية الرافضة للتدخل الفارسي ومشروعه التوسعي.
إن الاختراق الفارسي وتغلغله في المجتمعات العربية لم يقف عند هذا الحد بل تسللت عناصره داخل المؤسسات والدوائر المدنية والحكومية والمفاصل الحساسة , لا سيما بين صفوف القوميين العرب لتنفيذ المشروع الفارسي وتأدية الدور الموكول لهم وضرب وحدة المجتمعات العربية وتقويض الأقطار العربية من الداخل باسم الدفاع عن العروبة وعن القضية الفلسطينية والعروبة والقضية الفلسطينية منهم براء.
و لكن هذا التردي على مستوى الأمن القومي العربي ورعاية مصالح الأمة, لا يعني أن يكون العرب متشائمين في المستقبل, ولا يعني أن يتركوا قوميتهم ويتخلوا عن هويتهم العربية ويتنازلوا عن حقوقهم وقضاياهم ويسلموا البلاد للفرس ولأميركا. لأن الأوضاع التاريخية التي مرت على العرب زمن الاحتلال التتاري والعثماني أقسى بكثير مما هي عليه الآن لكن الأمة تمكنت من اجتيازها والعبور إلى ما بعدها. كما أن العرب ليسوا مجبرين على أن يكونوا تابعين لأحد هذين المشروعين الأجنبيين بل المجال مفتوح أمامهم ولديهم خيار ثالث ومجدٍ بما فيه الكفاية وهو إعادة إحياء المشروع القومي العربي المدافع عن قضايا الأمة ووجودها ومصيرها وبناء ستراتيجية عربية واحدة تتناسب مع متطلبات العصر وحاضر الأمة. وهذا يستدعي من العرب الوقوف جنبا إلى جنب ورصف صفوفهم أمام الأعداء واتخاذ ستراتيجية واحدة للدفاع والهجوم وأخذ زمام المبادرة ضد المحتلين والمعتدين على الأمة العربية وترميم ما شوه من حضارتنا العربية وإثراء ثقافتنا وتجديد رسالتنا الحضارية وبعثها واستعادة دورها الريادي في العالم.
layth1925@yahoo.com
http://www.alseyassah.com/editor_details.asp?aid=2076&aname=ابراهيم%20مهدي%20الفاخر
كتبها النصر في 06:02 مساءً ::
الاسم: النصر
